يحيي بن حمزة العلوي اليمني

61

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

البحث الثالث في مراعاة المحاسن المتعلقة بمفردات الألفاظ اعلم أن هذا البحث متعلقه اللفظة الواحدة على انفرادها ، وهو مخالف لما سبق مما أودعناه البحث الثاني ، لأنه نظر يختص مفردات الحروف ، وكيفية تأليفها فلا جرم كان مخالفا لما قبله ، واعلم أن من الناس من زعم أنه لا قبيح في الألفاظ وأنها كلها حسنة لأن الواضع لا يضع إلا الحسن ، وهذا فاسد لأمرين أما أولا فلأنه لو كان الأمر كما زعموه لكان لا تقع التفرقة بين الألفاظ في الأبنية ، والأوزان ، والخفة ، والثقل ، ولما عرفنا تفاوتها في ذلك تحققنا أن منها ما يكون في غاية الرقة واللطافة ، ومنها ما يكون في نهاية الثقل والبشاعة ، وأما ثانيا : فلأنه كان يلزم أن لا تقع التفرقة بين الشاذ ، والمألوف ، والنادر ، والمستعمل ، من جهة الوضع ، فلما كان الأمر في ذلك ظاهرا بطل ما توهموه . ولنضرب في ذلك أمثلة ثلاثة توضح المقصود : المثال الأول : أسماء الخمر كثيرة ترتقى إلى خمسين اسما كلها متفاوتة فلفظ الخمر أحسن من قولنا زرجون وإسفنط ، ولفظ السلافة أعجب من قولنا قرقف وخندريس . المثال الثاني : في أسماء الأسد وهي كثيرة فقولنا : أسد أحسن من قولنا : فدوكس ، وهرماس ، وقولنا : ورد ، وهزبر ، أحسن من قولنا غضنفر وما ذاك إلا من أجل اختصاص بعض الألفاظ برقة ورشاقة تخالف اللفظ الآخر . المثال الثالث : في أسماء السيف فإن لفظ الصارم ، والمهند ، والسيف ، أحسن من لفظ خنشليل فمثل هذا كيف يمكن دفعه ، وأنت إذا تأملت جميع ما ورد من ألفاظ التنزيل والسنة الشريفة وجدتهما على نهاية الكمال في مراعاة الألفاظ الرقيقة والخفيفة والمألوفة ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن الفصاحة في الألفاظ المفردة يجب أن تكون مختصة بخصائص : الخاصة الأولى : أن تكون اللفظة عربية قد تواضع عليها أهل اللغة ، لأن الفصاحة والبلاغة مخصوصان بهذا اللسان العربي دون سائر اللغات من الفارسية والرومية والتركية فلا مدخل لهذه الألسنة في فصاحة وبلاغة ، نعم ليس بمنكر استعمال شيء من هذه اللغات على جهة التعريب له ، وقد ورد في القرآن الكريم استعمالها ، وحسن موقعها لما